السيد محمد تقي المدرسي
77
البيان الاسلامي (أحاديث في العقيدة)
ولقد كان الله قادراً تمام القدرة على أن يدحض جميع المعاذير التي يرفعها الكفار بوجه الأنبياء منذ البداية ، ولكن الحكمة الربانية شاءت أن ترسل الأنبياء بشراً تحكمهم السنن الكونية كما تحكم غيرهم . فكانوا بشراً يمشون في الأسواق لا يعلمون الغيب إلا بما شاء الله ، ولا يملكون من المواهب إلا كما يملكها غيرهم ويزيدهم الله من فضله بما شاء ، وذلك لأسباب عديدة ، منها أن يكون هؤلاء الأنبياء حجة على الناس من حيث الإيمان بالله تعالى . إن الله سبحانه وتعالى أراد للشخصية الإنسانية أن تتبلور عبر هذا الامتحان الدقيق الذي يتجسد بطاعة الأنبياء في ظروف العسر والشدة ، فتستحق هذه الشخصية الثواب الإلهي الموعود . والله تبارك اسمه الذي أنزل الوحي على قلوب الأنبياء كان عارفاً بأن قلوب الناس عاجزة عن استيعاب هذا الوحي ، لأن داء التكبر حال بين الناس وبين معرفة هذه الحقيقة الناصعة . ولا يغيب عنا ان استقبال واستيعاب الوحي وتلقي الملائكة أمور بحاجة ماسة إلى تهيئة الأرضية اللازمة ، كالتربية الصحيحة والإيمان المطلق والاصطفاء من قبل الله ، وهم قد فقدوا كل ذلك . وكما كان التهرب من طاعة الأنبياء والاعتراف بهم أزمة بشرية كبرى ، كذلك كان داء التكبر على الله أزمة كبرى حاقت بالمسيرة البشرية أيضاً ، وهي ستكلفها الكثير في يوم القيامة ، حيث سيحول الله تبارك وتعالى ما عمل الكافرون وما بذلوا من جهود إلى هباء منثور ، لأنها قائمة على الأنانية والتمرد . أما التواضع لله فيأخذ صورة متناقضة لذلك ، حيث يقوم صرح هذه الخصلة الأخلاقية الفاضلة على أساس الإيمان بالله ، القائم بدوره على قاعدة العقل والحكمة .